الجاحظ

135

الحيوان

قال : وهو ما دام راكبه عليه فهو ألين من كلّ ذي أربع ، وأحسن طاعة ، ولكن لبعضها صعوبة عند نزوله عنه ، فإذا شدّوا مقاديم قوائمها بالحبال شدّا قويّا لانت . قال : وهي على صعوبتها تأنس سريعا وتلقن سريعا ، فأوّل ما يعلّم السّجود للملك ، فإذا عرفه فكلما رآه سجد له . 2195 - [ صدق حس الفيل ] فأمّا صدق الحسّ فهو يفوق في ذلك جميع الحيوان ، وهو والجمل سواء إذا علّما ، لأنّ الأنثى إذا لقحت لم يعاوداها للضّراب . فهذه فضيلة مذكورة في حسّ الجمل ، وقد شاركه الفيل فيها وباينه في خصال أخر . 2196 - [ بعض خصائص الفيل ] وإناث الفيلة وذكورها متقاربة في السنّ ، وكذلك النّساء والرّجال ، وهو بحريّ الطّباع ، ونشأ في الدّفاء ، وهو أجرد الجلد ، فلذلك يشتدّ جزعه من البرد . فإن كان أجرد الجلد ، فما قولهم في أحاديثهم : طلبوا من الملك الفيل الأبيض والفيل الأبقع ، وجاء فلان على الفيل الأسود . 2197 - [ حقد الفيل ] قال : وأخبرني رجل من البحريّين لم أر فيهم أقصد ولا أسدّ ولا أقلّ تكلّفا منه ، قال : لم أجدهم يشكّون أنّ فيّالا ضرب فيلا فأوجعه فألحّ عليه ، وأنّهم عند ذلك نهوه وخوّفوه وقالوا : لا تنم حيث ينالك ؛ فإنه من الحيوان الذي يحقد ويطالب . ولمّا أراد ذلك السائس القائلة شدّه إلى أصل شجرة وأحكم وثاقه ، ثم تنحّى عنه بمقدار ذراع ونام ، ولذلك السائس جمّة . قال : فتناول الفيل بخرطومه غصنا كان مطروحا ، فوطئ على طرفه حتى تشعّث ، ثم أخذه بخرطومه ، فوضع ذلك الطّرف على جمّة الهندي ، ثم لواها بخرطومه ، فلما ظنّ أنها قد تشبّكت به وانعقدت ، جذب العود جذبة فإذا الهنديّ تحت قوائمه ، فخبطه خبطة كانت نفسه فيها . فإن كان الحديث حقّا في أصل مخرجه فكفاك بالفيل معرفة ومكيدة . وإن كان باطلا فإنهم لم ينحلوا الفيل هذه النّحلة دون غيره من الدوابّ إلّا وفيه عندهم ما يحتمل ذلك ويليق به . 2198 - [ طيب عرق الفيل ] قال : والعرق الذي يسيل من جبهته في زمن من الزّمان يضارع المسك في طيبه ، ولا يعرض له وهو في غير بلاده .